استراتيجيات روسيا لتوظيف الغاز الطبيعي للتأهل إلى منزلة القوة العظمى

استراتيجيات روسيا لتوظيف الغاز الطبيعي للتأهل إلى منزلة القوة العظمى

إن التغيير السياسي في هيكل القوة العالمية، الناتج عن تغيير في موازين القوى العالمية، والذي كان أبرز ملامحه صعود قوى ودول تتسيدها روسيا، إذ انتقلت روسيا القيصرية بعد الثورة البلشفية 1917، من دولة ذات قدرات عادية يمكن أن تتماهى أو تتماثل مع سواها من القوى الأوربية الأخرى، إلى دولة اتحادية عظمى، كانت أول النماذج السياسية الكونية التي تمكنت من خلق التوازن الدولي ثنائي القطبية، وكان من المتوقع بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي أن يتراجع الاتحاد الروسي، وريث ما سبقه، ويتحول إلى قوة دولية متواضعة نتيجة لفقدانه الكثير من ممكنات الاتحاد السابق، وهذا هو شأن الكثير من الدول التي ورثت إمبراطوريات منهارة، لكن الانتقالات العملاقة التي تحققت بعد أقل من عقد، وتحديداً في عهد الرئيس بوتين وميدفيديف، أثبتت إمكانية أن يتبوأ الاتحاد الروسي الجديد مكاناً متميزاً في التفاعلات الدولية.

إن تنامي الدور الروسي وسعيه الحثيث لعالم متعدد الأقطاب، يستند إلى مقومات قوة حقيقة، ويمكن أن نلمس ذلك في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، إذ شهد الاقتصاد الروسي قفزات اقتصادية هائلة كذلك، فإن تبني روسيا لسياسة خارجية ناضجة وحكيمة، انعكس بشكل واضح على حل مشكلاتها الإقليمية ببراعة، إذ كان التعامل العقلاني مع الأزمة الشيشانية، ومن ثم الاستخدام الفاعل للمزج بين الدبلوماسية والقوة في التعامل مع الأزمة الجورجية، قد استقطب إعجاب الكثير، ولفت الأنظار إلى القدرة غير المسبوقة لروسيا الاتحادية التي كانت على إدراك تام، بأن عالم التفرد الدولي لن يكون حصرياً ونهائياً، ومن ثم فهي دائمة السعي لتشكيل عالم متعدد الأقطاب، وإعادة الوهج السوفيتي.

طالع ايضا : الخاطر يعد الجماهير بتجربة استثنائية خلال مونديال قطر

أولاً: روسيا واستعادة الإرث السوفيتي:

ورثت روسيا مكانة الاتحاد السوفيتي من غير أن تملك أسباب القوة السوفيتية كاملة، رغم تبني فلاديمير بوتين منذ بداية رئاسته البراجماتية من حيث هي فلسفته السياسية، ومع أنه ربما كان قد فسرها بأسلوب غير معقد، إلا أنه ما انفك يصر على عقد صلة ما بين الأهداف القابلة للتنفيذ والوسائل المتاحة لديه، ولعل ميزة أسلوب (التنفيذ من دون اعتراض) الذي اتسمت به عملية صنع القرار، كانت قد تمثلت في استبعاد أية حاجة إلى أيديولوجية مترابطة منطقياً يمكن أن توظف لتوجيه الجهود الرامية لتقوية مكانة الدولة وإثبات أهليتها.

إن تنامي الدور الروسي وسعيه الحثيث لعالم متعدد الأقطاب، يستند إلى مقومات قوة حقيقة، ويمكن أن نلمس ذلك في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية

ومع ذلك، فإن ثمة مفهوماً كان، ولا يزال عالقاً في الأذهان مفاده فكراً قومياً روسياً كانت صياغته أمراً واجباً، وأن خليطاً من الشعارات البراجماتية مثل (التحديث) والتنافسية، بل حتى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، لم يكن مجدياً، ومن هنا جاء خطاب بوتين أمام البرلمان عن البحث عن (فكر قومي).

لذا تركز الخطاب الروسي على مزيج من مفهومين: (الديمقراطية السيادية) و(القوة العظمى في ميدان الطاقة)، لذا بدأ ساسة القوة الروسية في التوظيف الشامل للثالوث الجديد للمثل القومية العليا المتمثلة في الديمقراطية السيادية الاقتصاد القوي – القوة العسكرية، وعند تكامل هذه المقومات الثلاثة في دولة كروسيا لابد أن تكون دولة قوية، وتضاف إلى ذلك المساحة الواسعة التي تعد رصيداً لا يمكن نكرانه، بالإضافة إلى الترسانة النووية الضخمة التي تعد دليلاً حاسماً وقوياً للعظمة، ويرى ريتشارد بايبس، وهو الأب المؤسس لمدرسة التحليل السياسي، أن النزعة التوسعية هي السمة الجوهرية التي لا رجعة عنها بالنسبة للدولة الروسية الساعية دائماً لإخضاع البلدان المجاورة لها وضمها إليها.

ثانياً: بروز الدور الروسي وتوظيف الغاز الطبيعي:

في تفسير بروز النجم الروسي على الساحة الدولية، استندت حجج الكثيرين إلى وقائع عدة كان أبرزها محاولة روسيا لملمة أوضاعها والنهوض في وجه منافستها التاريخية، أي الولايات المتحدة، وفي وجه القوة الأوربية المتمثلة بالاتحاد الأوربي، ولاسيما بعدما شهدت تسعينيات القرن الماضي تدخلاً أمريكياً في البلقان وتفكيك يوغسلافيا، قبل أن يلي ذلك انضمام العديد من دول أوربا الوسطى والشرقية إلى الاتحاد الأوربي، والذي شكل آنذاك جزءاً أساسياً من الإستراتيجية الأمريكية، التي كان مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زينغبري برجنسكي قد لخصها (بالحؤول دون اتحاد أورواسيا ضمن حلف اقتصادي وعسكري موحد)، على اعتبار أن الدولة التي ستسود في أورواسيا ستتحكم أوتوماتيكياً بالشرق الأوسط وإفريقياً، وأن لا معنى بعد الآن لوضع سياسة لأوربا وأخرى لآسيا، بعدما أصبحت أورواسيا تحتل الموقع المقرر في رقعة الشطرنج، سيكون لعمليات توزيع السلطة في مناطق أورواسيا أهمية حاسمة لتفوق أمريكا عالمياً، ما عزز غزو العراق وأفغانستان لإحكام سيطرة الولايات المتحدة على مسارات خطوط الأنابيب الحيوية التي تنقل الغاز من دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى الجنوب والغرب، ناهيك على العلاقات المميزة لروسيا في الشرق الأوسط، وخصوصاً الدول العربية وإيران والهند والصين وتركيا وإسرائيل وغيرها من الدول القوية في أنحاء أخرى من العالم.

لا يتلخص الدور الروسي بالصراع مع الولايات المتحدة للتفرد بالهيمنة على العالم، بل في منع الولايات المتحدة من الاستمرار في لعب هذا الدور، لذا عمدت روسيا إلى استعادة نفوذها ودورها الإقليمي، وخصوصاً في الدول التي كانت تحت هيمنتها في السابق، وبناء علاقات إستراتيجية مع أوربا الموحدة للحؤول دون تفرد الولايات المتحدة بتلك العلاقات، ولدعم أوربا باعتبارها منافسة للولايات المتحدة.

وقد شكل الغاز أبرز أدوات هذا الدور الروسي الجديد أو مضامينه، والذي لخصته عبارة إيغور تومبيرغ، الباحث العلمي في معهد الاقتصاد التابع لأكاديمية العلوم الروسية، (أن استقرار تصدير موارد الطاقة إلى أوربا في العقود القادمة يتوقف على العلاقات مع روسياً).

في هذا السياق، فسر محللون كثر الاهتمام الروسي بسوريا، ليس على خلفية الأجواء الحربية والسياسية السائدة في المنطقة، بل في إطار الدور الروسي الساعي إلى التحالف مع كتلة استراتيجية حديثة التشكل في المنطقة مؤلفة من إيران وتركيا وسوريا ولبنان، وغيرها من الدول مستقبلاً، ربما يكون العراق مثلاً إحداها، فقد تم الكشف أخيراً عن محادثات جارية بين روسيا وإيران لبناء منشأة تحت الأرض لتخزين الغاز قرب طهران في ظل العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران، فيما يسعى كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي إلى حمل إيران على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.

وتعد روسيا الاتحادية عملاقاً في مجال الطاقة، فهي تمتلك سابع أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد دول الخليج وفنزويلا، إذ قدر احتياطيها من النفط الخام بنحو (60) مليار برميل (4.6%) من الاحتياطي العالمي، كما أنها أكبر دول العالم من حيث احتياطات الغاز الطبيعي، إذ قدر احتياطيها من الغاز الطبيعي بنحو (1.7) كوادريليون قدم مكعبة (27.5% من الاحتياطي العالمي)، وبناء على ذلك، أصبحت الدولة الأولى في العالم في تصدير الغاز الطبيعي، والثانية في تصدير النفط ومشتقاته، ويسهم النفط بنحو (13%) والغاز الطبيعي والمعادن نحو (80%) من إجمالي الصادرات الروسية.

تتبع روسيا استراتيجية ذات ثلاثة أبعاد لدعم القدرة التنافسية لها في سوق النفط الأوربية، وإحكام قبضتها على شبكات نقل الطاقة وتوزيعها بها وهي كالآتي:

1. المشروعات الروسية المشتركة مع كل من أوربا والولايات المتحدة في مجال النفط والغاز الطبيعي وأبرزها: مشروع أنبوب النفط بروجاس – الكسندربوليس وتكون حصة روسيا فيه (51%) على حين تكون حصة كل من اليونان وبلغاريا (24.5%)، وإنشاء مستودع ضخم لغاز في بلجيكا وتبلغ حصة روسيا في المشروع نحو (75%) وتسيطر بلجيكا على نسبة (25%) المتبقية، وإنشاء مشروع أنبوب الشمال الأوربي الروسي الألماني وتشييد مشروع أنابيب الطاقة الإيطالي الذي يمتد من روسيا إلى جنوبي أوربا عبر البحر الأسود، وتستأثر شركة غاز بروم على نحو (70%) من أسهم الشركة مقابل (30%) للشركة الأمريكية، وأخيراً، بناء مشروع نقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية.

2. التغلغل في قطاع النفط في عدد من الدول الأوربية وتوسيع نشاط الشركات الروسية فيها من خلال عدة صفقات من أهمها الخطوات السريعة التي استخدمتها شركة غاز بروم في صفقة شراء شركة سنتريكا البريطانية التي توفر الغاز لأكثر من (12) مليون مستهلك ومليون مؤسسة صناعية في بريطانيا، وكذلك في شرائها (7%) من رأس مال شركة جالب أذربيجا البرتغالية التي حصلت على حق توريد (8) مليارات متر مكعب من الغاز الجزائري إلى أوربا عبر خط أنابيب ميدجاز الذي سينقل الغاز الجزائري إلى البرتغال وفرنسا.

3. السعي للسيطرة على شبكات نقل الطاقة في آسيا الوسطى التي تمثل بدائل محتملة للطاقة الروسية بالنسبة لأوربا، فقد تم عقد عدة اتفاقيات مع دول آسيا الوسطى شملت كلا من كازاخستان وتركمانستان من أجل التعاون في مجال استخراج وتصدير النفط والغاز.

وعلى هذا الأساس  أحكمت السيطرة على الموارد الطبيعية، الغاز والنفط التي تشكل معدلاتها أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين مجتمعة، فإذا كانت القوة النووية مصدراً لجبروت السوفيت سابقاً، فإن شبكات خطوط الأنابيب للنفط والغاز في عموم روسيا أعادت الشيء الكثير لورسيا، إن هذا الترابط في حجم الطاقة التي تسيطر عليها روسيا الاتحادية في منطقة أسماها ماكندر (جزيرة العالم)، دفع المفكرين الاستراتيجيين إلى تأكيد أهمية هذه المنطقة، إذ يوضح بريجنسكي في كتابة “اللاعب الكبير” أن الرهان الرئيس للولايات المتحدة هو السيطرة على أورواسيا، انطلاقاً من أوربا الغربية حتى الصين عن طريق آسيا الوسطى، ويضيف: أيضاً “تبقى أورواسيا المسرح الوحيد الذي توجد عليه قوة منافسة للولايات المتحدة وهو روسيا الاتحادية ويمكنها أن تظهر حسبما هو محتمل”.

بدأت روسيا في التوظيف الشامل للثالوث الجديد للمثل القومية العليا المتمثلة في (الديمقراطية – السيادية – الاقتصاد القوى – القوة العسكرية).

إن الاتحاد الأوربي بحاجة إلى شحنات النفط والغاز الروسية التي تغطي الوقت الحاضر جزءاً كبيراً من احتياجاته، ولا ريب   في أن أهمية استيراد الغاز والنفط من روسيا سيزداد وبحسب تنبؤات وكالة الطاقة الدولية، سيزداد استهلاك موارد الطاقة في بلدان الاتحاد الأوربي بحلول عام 2030 بنسبة (7%) سنوياً ويجري التنبؤ على الأخص بأن تكون زيادة استهلاك الغاز في الاتحاد الأوربي في عام 2012 إلى عام 2030 بنحو الضعفين، الأمر الذي يتطلب زيادة استيراداته خلال هذه المدة بنحو (4) أمثال، وستحتاج إلى الحصول على النفط والغاز من روسيا الاتحادية عدة بلدان في رابطة الدول المستقلة، وأسهم قطاع الطاقة في إعطاء روسيا قوة دبلوماسية سميت ب (دبلوماسية غاز بروم) كونها تتحكم بشبكة توزيع كبيرة للطاقة.

إن العامل المهم هنا الذي أسهم في تحويل الغاز إلى العنصر الأساسي في مسعى روسيا بحثاً عن (القوة العظمى)، إنما هو التغير التاريخي الذي طرأ على سياسات الطاقة المتبعة في أوربا، فمع أن (حوار الطاقة) الروسي – الأوربي، لم يأتي بنتائج مقبولة خلال سنواته الأولى، وهو ما يعزى في المقام الأول إلى امتناع روسيا المتواصل عن تكييف سياساتها بما يتناسب وأحكام ميثاق الطاقة 1994، ولا سيما في ما يتعلق ببروتوكول المرور، وعن فتح أسواقها المحلية أمام المنافسة، وبرغم ذلك، إن اكتمال العمل في خط أنابيب يامال –  أوربا أوجب على روسيا زيادة حجم صادراتها من الغاز إلى أوربا بما يتراوح (125-175) مليار متر مكعب خلال 2002-2013، ليصل (156) مليار متر مكعب في 2012.

لا يتلخص الدور الروسي بالصراع مع الولايات المتحدة للتفرد بالهيمنة على العالم، بل في منع الولايات المتحدة من الاستمرار في لعب هذا الدور، لذا عمدت روسيا إلى استعادة نفوذها ودورها الإقليمي.

يبدو الغاز الطبيعي اليوم سيد المشاريع الكبرى، على مستوى الدول والأقاليم والتجمعات الإقليمية، وقد بات التنافس عليه وعلى ممراته الحيوية وخطوط نقله إلى الأسواق الكبرى، جزءاً أصيلاً من صراع النفوذ، ومحاولات تعزيز المكانة الجيوسياسية للدول والقوى المختلفة. ومنذ تسعينيات القرن العشرين، تزايد الاهتمام في أقاليم عدة من العالم، بأنابيب نقل الغاز العابرة للدول والقارات، باعتبارها مشاريع ذات مضامين حيوية بعيدة المدى، وشكلاً جديداً من تقسيم العمل الدولي، ونوعاً من تأكيد النفوذ وإضافة إلى حرب الأنابيب، أضحت صناعة الغاز المسال ميداناً متقدماً للسباق بين دول وشركات عملاقة حول العالم، وبدت سوق هذا الغاز واعدة بسبب تنامي الطلب العالمي عليه.

وفي تقرير جرانت وباريش، فقد كان هناك تنافر متزايد بين محاولات الاتحاد الأوربي الرامية إلى تحرير أسواق الطاقة داخله، وبين إمدادات الغاز الروسي التي توردها شركة غاز بروم، وفي واقع الأمر فإن جهود الاتحاد الأوربي أصابها التراخي مع بدء ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتخطى مستوى (حاجز الأمان) 25-30 دولاراً للبرميل الواحد، ولتحذو حذوها أسعار الغاز، وبالتالي فإن ذلك التنافر لم يبق عقبة كأداء كما كانت من قبل، وإذ عمدت روسيا إلى تبني مذهب القومية الاقتصادية الذي ربما أشاع البهجة في روح كارل ماركس، فإن دولاً أوربية مهمة شرعت هي الأخرى بمؤازرة أبطالها القوميين.

ومن الملاحظ، هناك أوجه تشابه غير مريحة بين المزاج السائد في الاتحاد الأوربي الآن، والرأسمالية الروسية التي تديرها الدولة، ويبدو أن الحكومة الفرنسية تميل إلى تأسيس ما يشبه شركة غاز بروم، ولكن على الطريقة الفرنسية، ليتحول إلى كيان ضخم عظيم النفوذ من الناحية السياسية، ويرتبط بعلاقات وتحالفات واسعة ومهمة.

طالع ايضا : طرق الربح من الانترتت من المنزل في 2020

الرد الأساسي لروسيا من ضمن هذه المناورات، وتجلى في مشروعي السيل الشمالي، الممتد من روسيا إلى ألمانيا، عبر قاع بحر البلطيق، ومنها إلى عدد من دول شمال أوربا، والسيل الجنوبي، الممتد من روسيا إلى بلغاريا، عبر قاع البحر الأسود، ومنها إلى دول شرق وجنوب أوربا، فهذان المشروعان سيحكمان السيطرة على الاقتصاد الأوربي الذي سيعتمد على الغاز بما يفوق اعتماده على النفط، والذي جرى التوقع بأن حجم استهلاكه للغاز الطبيعي سيزيد من (336) مليار متر مكعب في العام 2005 إلى (536) مليار متر مكعب في العام 2015، وأن روسيا ستتمكن من تصدير (170) مليار متر مكعب سنوياً إلى الاتحاد بعد تشغيل خط السيل الشمال.

ما دفع أمريكا نحو (مشروع نابكو) الموازي، الممتد من آسيا الوسطى إلى تركيا، ومنها إلى بلغاريا ورومانيا وهنغاريا والنمسا، والذي يمكنه أن يخفض اعتماد الاتحاد الأوربي على الغاز الروسي إلى حد كبير، سواء تكرست خيبة أمل دول أوربا الشرقية والوسطى من الاتحاد الأوربي أم لم تتكرس، خصوصاً أن هناك من توقع، مع تجاوز التحديات التي واجهها الاتحاد، ولاسيما الاقتصادية منها، أن ترى شعوب أوربا الشرقية والوسطى من جديد الاتحاد الأوربي جزءاً من الحل، وليس جزءاً من المشكلة، فقد أدى احتكار الغاز الروسي من قبل عملاقة الشركات الروسية (غاز بروم) إلى رفد ميزانية البلاد بخمس الدخل القومي، على الرغم من أن ثلثي الغاز المستخرج لدى الشركة يبقى في روسيا ويعزز اقتصاد البلاد.

لقد ارتكزت سياسات موسكو الرامية إلى ترسيخ مكانتها من حيث هي قوة عظمى، عبر استغلال موقع قوتها في عالم الطاقة إلى أساس صلب من حيث الموارد المتاحة لها وقدرتها التصديرية، بيد أن هذه السياسات قد جاءت بنتائج عكسية، فقد بات واضحاً عدم تساوق المسارين الرئيسين للنشاطات السياسية الروسية، الذين يتجسد أولهما في النزعة المركنتلية، والثاني في إدراج الطاقة على قائمة مكونات منظومة الأمن القومي وعناصرها الأساسية، بل إن كلاً منهما كان يفتقر إلى التماسك والترابط على المستوى الداخلي.

فعلى المسار الأول، أنصب الاهتمام على الجوانب الصناعية والتجارية لقطاع الطاقة، ولكن تدمير شركة يوكوس ونهب ممتلكاتها طمس الجانب الأعظم من مضمون (حوار الطاقة) الروسي – الأمريكي. ومن حيث الأساس، فإن المناورات الروسية سواء في سوق النفط العالمية أو أسواق الغاز الأوربية، تظل مقيدة بغياب طاقات الإنتاج الاحتياطية، وبسبب عجز روسيا عن الاستجابة بشكل ملموس للحالات التي يرتفع بها الطلب على الطاقة، لذا فهي غير قادرة على لعب دور الضامن (لأمن الطاقة).

أما على المسار الثاني، فالمشكلات التي تربط به تبدو أكبر، وذلك لأن إسباغ الطابع الأمني على قطاع الطاقة، حيث ترتقي قضايا إمدادات الطاقة الموثوقة إلى مصاف قضايا الأمن القومي. ومع ذلك، وعلى الرغم من اشتهاء العظمة، ما زال قوياً داخل أوساط النخب السياسية، وهو يترجم عادة إلى خطاب يتسم بطموحات عالية، كما يقول بوتين: “لا أحد خارج روسيا يريد لها أن تصبح حضارة متفردة، أرثوذكسية، بيضاء متعددة الأعراق على نحو استثنائي، لذا فليس بين نظيراتها من القوى والحضارات المماثلة من سيمد يد العون لها، لقد كتب لنا أن نكون في عزلة حضارية وعلينا أن نحسم بأنفسنا كل المشكلات التي نواجهها حفاظاً على بقائنا وتطورنا.

المصادر والمراجع:

  1. محل غاز السعودية ، مكتبة المعرفة ، اطلع عليه بتاريخ : 11-10-2020 . 
  2. بافل باييف، القوة العسكرية وسياسة الطاقة: بوتين والبحث عن العظمة الروسية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط1، 2010.
  3. علي وهب، الصراع الدولي للسيطرة على الشرق الأوسط: التآمر الأمريكي الصهيوني، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط 1، 2013.
  4. عاطف عبد الحميد، استعادة روسيا مكانة القطب الدولي: أزمة الفترة الانتقالية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد (133).
  5. نزار إسماعيل الحيالي، التحليل الاستراتيجي للحملة الأمريكية ضد الإرهاب، المرصد الدولي، العدد (21)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001، ص 5.
  6. محمود سالم جاسم، انهيار الاتحاد السوفيتي: قراءة في الأسباب والنتائج، دار ابن الأثير للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 2008، ص 68.
Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *